المقاربة الإعلامية لمحرقة غزة
بقلم :- جمال برهم –الإدارة الإعلامية للحرب على درجة من الأهمية, لا تقل عن مثيلاتها السياسية والعسكرية, وهي في حالة المقاومة يجب أن تنضبط لجملة من المحددات الإستراتيجية والتكتيكية , وإلا تحول إعلام المقاومة إلى مجموعة من المراسلين ينقلون الخبر ويظهرونه مجردا من الرسائل والدلالات ذات الطبيعة الدعائية "البروبغندا" والتحفيزية التي تترك مفاعيلها على الحالة المعنوية لجمهور المقاومة واحتياطها المتضامن معها , وهذا ما سيقود لتعزيز التماسك والصمود كإحدى أهم معايير الانتصار والهزيمة في حالة المقاومة الشعبية وحركات التحرر الوطني .
فالإعلام هنا كما حدده رفيق نصر الله " هو خطة ورؤية ومشروع ثقافي – مواجهاتي تقني ومهني وسياسي يبلور نفسه في صياغة قادرة على توازي مع ما يجري ما بين الميدان والسياسة " .
وبدون الجهوزية العالية والتي تحضر ذاتها مسبقا وتوفر إمكانياتها التقنية والمهنية لتكون بمستوى ما يجري في الميدان بأبعاده العسكرية والسياسية , لا تستطيع المقاومة وشاشاتها الإعلامية امتلاك زمام المبادرة والسرعة في عكس الحرب الدائرة بأبعادها المختلفة .
فكما هي مشهدية الدم التي أنتجتها عقيدة الجنون المستلة من أبشع المقاربات الفاشية والعنصرية والإجرامية , وقد تم التخطيط لسيناريوهات الحرب الموسومة بحرب الإبادة الجماعية قبل ثلاث سنوات "تصريح يؤاف غلانت قائد المنطقة الجنوبية", بهدف أن يكون لمشهدية الدم مفعولها في كي الوعي ليس للفلسطينيين فحسب, بل لكل الشعوب العربية بالمقاومات والممانعات القائمة في أوساطها " تأكيد هيكل على الرسالة المطلوب إرسالها لسورية", وقد أفصح الصحفي الأمريكي المتصهين توماس فريدمان "بان ما تقوم به اسرائيل هو عملية تثقيفية أو بداغوجية تهدف من خلالها اسرائيل لأن تعلم الفلسطينيين درسا".
وبالتوازي مع مشهدية الدم هناك مشهدية الصمود والمواجهة الماثلة بفعل الإرادات التي تتراكم اليوم قناعاتها وتتبلور بمنهجية حاسمة تقضي بضرورة المقاومة كاستحقاق يفرضه استمرار الاحتلال ومتطلبات ذلك كما هي أي مقاومة تفترض التضحية والصمود, والصراع هنا يتكثف بصراع الإرادات.
فالمقاومة وقيادتها كان لزاما عليها أن تستوعب أبعاد إدارتها الإعلامية للحرب وما سوف يترتب على كل ظهور إعلامي إن كان على مستوى الجماهير الصامدة تحت حمم القذائف الفسفورية والقنابل الأمريكية الذكية, وعلى مستوى المنتفضين شعبيا في الشوارع العربية والعالمية بهدف تعزيز صمود جمهور المقاومة وتحفيز المنتفضين نحو مزيد من الفعل والتواصل لمراكمة فعل سياسي له مردودات نوعية على مستوى الحرب الدائرة أو على مستوى الصراع الممتد والمفتوح .
لا يكفي تظهير مشهدية الدم وكأن الفجيعة وحدها التي تغطي كل مساحة المشهد , وقد استوفت مفاعيل توظيفها , مما سيفضي إلى حالة الإحباط والتشوش والالتباس , وما يبطل هذه المفاعيل يكون عبر تبريز صورة الصمود والمواجهة والتي كانت بطولية وملحمية , أما عكس هذه الصورة من خلال الميديا فقد أشر لحالة من القصور والإرباك تشي بعدم القدرة على تظهير الصورة الساحقة الكفيلة بقلب المشهد رأسا على عقب , وإذا ما استحضرنا مقاربة حرب تموز 2006 وكيف كان لتظهير صورة الدبابات المحترقة عند مدخل وادي حجير واحتراق البارجة ساغر في عمق البجر , كان لرمزية هذا التظهير مفاعيلها في إشاعة أجواء الثقة بالمقاومة وأداءها وبالمقابل مدى انعكاس ذلك سبيا على القيادات العسكرية " الإسرائيلية " والجمهور الإسرائيلي برمته , دون أن يعني ذلك أن الصورة قد خلت كليا من هذه الإشارات , فكان لتظهير صورة صواريخ المقاومة وهي تحلق بعيدا نحو أهدافها وصورة بعض حالات القنص للجنود الصهاينة قد غطت جزءا من مساحة الشاشة الإعلامية , إذ لو كان هناك تدارك وتخطيط مسبق بتقنياته اللازمة والغوص في عمق الصورة الميدانية كان بالإمكان لبعض هذه الصور أن تفشل الإجراءات والرقابات العسكرية " سنزورة " و حشر مراسلي الإعلام الإسرائيليين والأجانب عند حدود قطاع غزة وحظر نشر أي مادة إعلامية قبل موافقة الرقيب العسكري عليها والذي عرف " ب " اسرائيل " ب " سنزورة " كواحدة من توصيات لجنة فينوغراد . لعل ما أكدته مجريات الحرب وإدارتها إعلاميا أن بعضا من إعلام المقاومة وتحديدا الحمساوي منه قد استدرج ووقع في الأفخاخ المنصوبة من قبل الجهد الإعلامي الإسرائيلي والذي جهد في الدعاية للحرب وتصويرها بأنها بين " اسرائيل " وحماس كامتداد للحرب الدائرة بين المعتدلين والمتشددين الإرهابيين , وقد كان لتركيز حماس وإعلامها على تكرار ترديد حماس والقسام يرى فيه البعض محقا وكأنه ابتلاع للطعم ووقوع في الأفخاخ المنصوبة , فالحرب تدور بين كل المكونات الوطنية والإسلامية المقاومة في قطاع غزة والاحتلال والعدوان الذي يستهدف المقاومة كل المقاومة وليس فصيلا بجد ذاته , وان كانت القسام الأكثر عدة وعددا , إلا أن الصمود الحاصل هو من صنع جميع الفصائل المقاومة والشعب الذي يحتضنها , وكم كان حريا وقبل بدء العدوان والذي كان الجميع يعد له عكسيا أن تم تشكيل قيادة ميدانية موحدة من كل فصائل المقاومة وبالتوازي معها قيادة طوارئ وطنية لإدارة المعركة السياسية والدبلوماسية بالتنسيق مع القيادة الميدانية .
إن من أهم متطلبات إدارة إعلامية ناجحة التحديد الدقيق والاختيار الأفضل للقيادات التي ستظهر إعلاميا خلال المعركة من طراز اؤلئك الذين يمتلكون الكاريزما القيادية الواثقة والمؤثرة بتوقيت وطريقة ظهورها ومضمون رسالتها الإعلامية , أما المبالغة في الخطاب الديني وكأن ظهور بعض القيادات كان أشبه بخطباء منابر يوم الجمعة , وبعيدا عن الكلمة السياسية الصلبة أظهر هذه القيادات وكأنها ضعيفة ومترددة وغير واثقة , بالمقابل لنا أن نقارن بظهور سماحة الشيخ حسن نصر الله في حرب تموز وطريقة الظهور والمضامين التي كان يحملها كل ظهور والكلمات والعبارات التي كان ينتقيها وما مثله من حالة إعلامية متقدمة كان لها مردوداتها التي سبقت مردودات الصمود والفعل العسكري في ميدان المعركة , مع التأكيد أنه تم استيعاب بعض الأخطاء والقصورات وتحديدا في النصف الثاني من أيام الحرب عندما أخذ الإعلام يشير لكل فصائل المقاومة وعملياتها وبياناتها , وكان الظهور قبل الأخير لإسماعيل هنية الأوضح بتأكيده على كل فصائل المقاومة ولم ينطق بكلمة واحدة عن حماس أو القسام ولم يصاحب هذا الظهور أي راية فصائلية ما عدا العلم الفلسطيني الذي طرز هذا الظهور , إلا إن استمرار المبالغة في الخطاب الديني وطريقة تقديمه قد تناسى هذا التوجه أن جزءا كبيرا من الرأي العام العالمي لا يرى بالقضية الفلسطينية كقضية دينية بل هي قضية تحرر وطني .
فإذا كان التصميم على الصمود والإصرار على المواجهة هو خيار المقاومة بكل فصائلها والجمهور الذي يحتضنها كان من الأجدى التحضير لبيان الانتصار وصورته بعد ساعات من وقف إطلاق النار الذي جاء من طرف واحد " الاحتلال " من قبيل خروج مئات الآلاف من كل فصائل المقاومة وجماهيرها والكل يؤكد على الصمود الذي أفشل أهداف العدوان ولسان حال صورة الانتصار مقاومة مقاومة .
للمزيد عن الموضوع
لمزيد من البحث عن اضغط هنا.
آخر الاضافات على الموقع
تعريف بالحملة (Dec 31, 2024)
التطوع للحملة (Dec 31, 2024)
التقرير الاسبوعي لفعاليات المقاومة الشعبية ضد جدار الفصل العنصري والاستيطان 19-3-2010 (Mar 19, 2010)
قوات الاحتلال تسلم أمران عسكريان بهدم منزلين في قرية الولجة (Mar 19, 2010)
قوات الاحتلال تعتقل شابان وتصيب ثلاثة بجراح في قرية دير نظام (Mar 19, 2010)
أهالي المعصرة يخرجون بمسيرتهم الاسبوعية تخليدا لذكرى الشهيدة ريتشل خوري (Mar 19, 2010)
دعوة للمشاركة بمسيرة الغضب في قرية بدرس غدا (Mar 18, 2010)
مزارعو قلقيلية ينظمون اعتصاما للاحتجاج على منعهم دخول أرضهم الواقعة خلف الجدار (Mar 17, 2010)
نعلين: قوات الاحتلال تجرح ثمانية متظاهرين وتعتقل الفتى محمد عطا في المسيرة التي خرجت بالقرية نصرة للأقصى (Mar 16, 2010)
عاجل: قوات الاحتلال تعتقل عضو الحملة الشعبية عمر علاء الدين من قرية المعصرة (Mar 15, 2010)
|
 |
|