Stop The Wall!
The Grassroots Palestinian Anti-Apartheid Wall CampaignGet E-mail Updates|Use Our Site|Contact Us

تحليلات / مقالات
تحليلات / مقالات

آن الأوان لرحيــل القيـادة الفلسطينيـة!/عمر البرغوثي*


لماذا يا ربي يحدث لنا كل هذا؟، صرخ طفل جريح في غزة مؤخراً بصوت أكبر من عمره وبحرقة تتجاوز حدود سجنه/سجننا الكبير، وغزة تغزوها الطائرات والدبابات وتنهشها المجاعة الزاحفة ونقص الطاقة والانقطاع التام عن عالم صامت، متواطئ، من رام الله إلى بكين. سأحاول الرد على تساؤل هذا الطفل، والذي يعبر عن شعور الكثيرين، لا في غزة وحدها، بل بين جميع الفلسطينيين.

صرّح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في مؤتمره الصحافي مع الرئيس الأميركي جورج بوش بأنه على اتفاق تام مع نظيره الأميركي حول كل المواضيع الهامة، تلك التي خطرت على بال المستمعين وتلك التي لم تخطر. جاء هذا التصريح اللافت للنظر في وقت تطرّف فيه الرئيس الأميركي، منذ هبوط طائرته على أرض اللد، في محاباة إسرائيل وإعطائها كل ما تطلبه سياسياً، وذلك في محاولة نادرة في عنجهيتها وصلفها للانقلاب على عقود من قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي الخاصة بالقضية الفلسطينية. كما تجاوز بوش كل الحدود في إصراره على شرعنة الطابع العنصري لإسرائيل كدولة «يهودية»، وما يتعلق بذلك من رفض قاطع لعودة اللاجئين الفلسطينيين حسب قرار الجمعية العامة رقم .194 الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة لطالما صوتت لصالح إعادة التأكيد على قرار 194 حتى بدء ما سمي بـ«مسيرة السلام» بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، حين ارتأت أن «أجواء السلام» الواعدة تتطلب التخلي عن جميع القرارات الدولية التي «تستبق» و«تملي» ما قد ينتج عن «المفاوضات» بين «الطرفين».

ثم إن تصريح أبو مازن المذكور جاء قبل إطلاق قوات الاحتلال الإسرائيلي ـ بضوء أخضر من بوش، بلا شك ـ واحدة من أعنف هجماتها وأكثرها دموية وإجراماً على شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة المحتل والمحاصر، تتويجاً لمسلسل التجويع والقتل البطيء الذي دفع خبير القانون الدولي المرموق من جامعة برنستون الأميركية، البروفيسور ريتشارد فولك، إلى وصف هذا العدوان بـ«مقدمة لإبادة جماعية»، مذكراً بالشعار الذي رُفع بعد هزيمة النازية: «لن تتكرر أبداً!» (Never again!).

إذاً فاتفاق الرئيس الفلسطيني مع بوش في هذا السياق يؤشر في أحسن السيناريوهات إلى عدم استيعاب القيادة الفلسطينية، ربما، لفداحة الانهيار في الموقف الأميركي خلال حقبة بوش، وبالذات في الآونة الأخيرة، منذ رسالة الضمانات التي أعطاها لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، أرييل شارون، بالموافقة على ضم إسرائيل للكتل الاستيطانية المقامة على الأراضي المحتلة عام 1967 تحت شعار «الواقعية»، وصولاً إلى تصريحه في مطار بن غوريون مؤخراً بأن على الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل كـ«دولة يهودية» والتنازل عن حق العودة والقبول بالتعويض بديلاً لحل قضية اللاجئين. وهو بهذه المواقف سجل خروجاً فجاً ـ لصالح إسرائيل، بالطبع ـ عن المواقف الأميركية المعهودة نفسها، المنحازة تماماً لإسرائيل منذ تأسيس الدولة.

انسجاماً مع هذه العقلية التي يصفها حاملوها بـ«البرغماتية»، وهي فعلاً لا يمكن أن توصف إلا بـ«عقلية العبد»، تأتي تصريحاتُ بعض السياسيين الفلسطينيين في أوساط القيادة مؤخراً بأن «استمرار المجازر الإسرائيلية سيُصعِّب موقف المفاوض الفلسطيني»، أي مقدرته على تقديم كل التنازلات المطلوبة منه، أو «سيؤثر سلباً على عملية السلام». والحق أن هذه التصريحات تنم عن جهل مطبق لفهم السياسة العالمية وعن احتقار مخزٍ لقيمة الإنسان الفلسطيني الذي يتعرض للقتل والتشريد والتجويع. فهل أصبحت قيمة حياتنا تقاس بمدى مساهمتها في «دفع عملية السلام»؟ ولماذا يئس البعض تماماً من قدرتنا، كشعب وأمة وحركات تضامن عالمية، على تركيم مقومات التغيير الإيجابي التي تسمح بعزل إسرائيل وبتعديل موازين القوى لصالحنا، كما جرى في جنوب أفريقيا؟ وكيف لا يستوعب البعض أن مواقفهم ولقاءاتهم المجانية وكرمهم الحاتمي في التنازل عن حقوقنا هي تحديداً العامل الأهم الذي يغطّي على المجازر والجرائم الإسرائيلية ويسهّل تصلب بل وتراجع الموقف الأميركي والأوروبي إلى هذا الحد الكارثي ويتيح انتقال الموقف الرسمي العربي من التبعية المستورة (أو الخجولة أحياناً) للمخطط الأميركي ـ الإسرائيلي إلى الانحياز المكشوف له؟ وهل ينتظر «المفاوض» الفلسطيني فترة هدوء نسبي ليقدم كل ما في جعبته، مؤكداً مدى «الاتفاق التام» مع مواقف الرئيس الأميركي؟ ثم عن أي عملية سلام يتحدثون؟ فمن كثرة تكرار هذا التعبير الواهم والمضلِّل في حقبة أوسلو بِتّ أعتقد أن الناطقين به ربما يعيشون في عالم وهمي خاص بهم، شيّدوه من أحلامهم الضيقة ومصالحهم الأنانية، وأنهم يرون في حل البانتوستان، وهو الوحيد المعروض على الطاولة، فرصةً ذهبية، لا تنازلاً تاريخياً غير مسبوق عن الحقوق غير القابلة للتصرف لشعبنا الفلسطيني، وأهمها حق تقرير المصير وحق عودة اللاجئين إلى ديارهم.

في ظل هذه الصورة القاتمة، يقفز الجميع إلى استنتاج يبدو بديهياً، وهو ضرورة توحيد الصف الوطني الفلسطيني لمواجهة تحديات المرحلة. وأنا أتفق مع هذا الموقف بالتأكيد؛ فلوحدتنا الوطنية الأهمية القصوى في مواجهة المخطط المعادي الهادف فعلاً لا قولاً إلى تصفية وجودنا كشعب، بالمفهوم السياسي ـ الاجتماعي، إن لم يكن بعد بالمفهوم المادي، أي الإبادة الجماعية السريعة. ولكن من يتَّحِدُ مع من؟ كيف تتوحد قوى وطنية مقاومة للاحتلال (ومن ضمنها تيارات واسعة داخل حركة فتح، قائدة العمل الوطني الفلسطيني لعقود) مع ممثلي شرائح باتت مرتبطة بهذا الاحتلال ومرتهنة له بالكامل وتنفذ برنامجه «الأمني» في قمع المقاومة وتقييد الحريات والتعدي على القوانين من دون مواربة؟ ثم على أيّ برنامج سياسي تتوحد القوى؟ إذا كانت القيادة الحالية لحركة فتح، وهي على ما يبدو لم تعد تمثل روح الحركة ولا جسدها في غياب الانتخاب الديموقراطي الداخلي والتعطيل المستمر لانعقاد المؤتمر الحركي، قد أسقطت نهائياً خيار المقاومة، كل مقاومة، وأصبحت مؤمنة بضرورة تحصيل بعض الحقوق من خلال إبداء «حسن النوايا» بالتنازل عن باقي ـ وأهم ـ الحقوق، فأين البرنامج السياسي البديل، سواء من القوى الإسلامية أو ما تبقى من اليسار؟

الحقيقة الصارخة هي أن لا حركة حماس ولا فصائل اليسار ـ الضعيفة إلى درجة تثير الشفقة وتستفز الحاجة الى خلق يسار جديد ـ تعرض برنامجاً سياسياً بديلاً، قادراً على استنهاض طاقات وإبداعات الجماهير الفلسطينية في فلسطين التاريخية والشتات على حد سواء، وعلى طرح رؤية تستشرف كيفية الوصول الى حقوقنا الوطنية التي يجمع عليها الكل. كما أن تكتيكات حركة حماس وسياستها الداخلية في قطاع غزة (على الصعيد الاجتماعي والثقافي خصوصاً) لم تقدم نموذجاً ديموقراطياً يحتذى به، بل أعادت إنتاج الفئوية الضيقة والعشائرية وكمّ الأفواه السائدين تحت سلطة نظيرتها «العلمانية» في الضفة الغربية، مع تميزها (أي حماس) بالتمسك بالحقوق وبعدم الغرق في عفن الفساد الذي كان السمة العامة للأخيرة (أي سلطة الضفة)، وهما ميزتان لا يستهان بهما على كل حال. أما سياسياً، فشعار الهدنة المفتوحة الذي ترفعه حماس ليس برنامجاً سياسياً. وشعار التمسك بالثوابت في مواجهة التفريط بالحقوق الذي ترفعه فصائل منظمة التحرير كافة بات اسطوانة مشروخة مفرغة من المعنى، إذ إنها لم تقترن باستراتيجية كفاحية ورؤية سياسية واضحة لحل الصراع. ورفض «أنابوليس» و«كامب دافيد» هو في أحسن الأحوال مقدمة لبرنامج، ولكنه لا يمكن اعتباره برنامجاً بحد ذاته. والإصرار على المرجعية الدولية والقانون الدولي وحدهما، على أولوية ذلك ومركزيته، من دون طرح خطط ووسائل للاستناد على هذه المرجعية لنيل حقوقنا، لم يعد كافياً. إن غياب البديل الواقعي والثوري في آن للفكر السياسي المهترئ والواهم، إن جازت تسميته بفكر أصلاً، السائد حالياً في صفوف القيادة الفلسطينية، هو أهم عامل يساعد على استمرار شرذمتنا ووهننا وانتشار اليأس والإحباط بيننا بشكل ممنهج وخطير.

بعد ما يزيد عن ثلاثين عاماً من محاولة الوصول إلى تسوية سلمية مع إسرائيل على أساس حل الدولتين، لا بد من التساؤل بجرأة حول جدوى هذا التوجه برمته. فقبول أنصاف الحلول مع الحركة الصهيونية، كما طرح المؤرخ الإسرائيلي المعادي للصهيونية إيلان بابيه في رام الله في ذكرى النكبة العام الماضي، لا يزيدها إلا شرهاً وإمعاناً في الاضطهاد وسعياً للاستئثار بالكعكة كلها.

فالصهيونية لا تقوم إلا على نفينا كشعب، على إلغائنا، على انتزاعنا، وعلى السيطرة الكاملة على أرضنا، من دون وجودنا الذي ينغص عيشها. إن إهمال قيادتنا وغالبية مفكرينا المتعمد لمسؤوليتهم في مواجهة الصهيونية، حتى أصبح ذكرها في الساحة السياسية الفلسطينية يكاد يكون رديفاً للمغالاة والتطرف وانعدام «البرغماتية»، هو أهم عناصر قوة هذه الايديولوجيا. وهذا ما أثبتته أحداث عدة، أهمها المؤتمر الدولي ضد العنصرية الذي أقيم في دوربان بجنوب أفريقيا عام ,2000 وفيه أظهرت الحركات الممثلة لغالبية شعوب العالم، بما فيها دول أوروبية أساسية، وقوفها معنا ومع حقوقنا ضد إسرائيل والصهيونية العالمية.

تعلِّمُنا تجربة رفض العبودية تحت نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا أنه لا يمكن إرضاء الصهيونية، كفكر عنصري إحلالي استعماري، والتوصل إلى حل وسط معها. إن وهم الدولتين الذي يعطي للصهيونية الحق في تكريس نكبة 48 ويشرعن استعمارها الاستيطاني قد وصل إلى مآله الطبيعي: مزبلة التاريخ. ففلسطين التاريخية لا يمكن أن تقسم بين أهلها وسكانها الأصليين من جهة، ومستعمرين يصرون على الحفاظ على سيادتهم الاستعمارية وامتيازاتهم ونهبهم لأرضنا وبيوتنا ومقدراتنا من جهة ثانية. إن فلسطين لا تتسع لأسياد وعبيد، ولكنها طالما اتسعت لمواطنين من خلفيات دينية وإثنية وثقافية متعددة، محليين ومهاجرين (ما قبل الاستعمار الصهيوني)، وحتى الآن تتسع لكل من هُجِّرَ منها وكل من يعيش فيها ويقبل بالعدالة وإعادة الحقوق لأصحابها (وعلى رأسها حق العودة والتعويض) وبالمساواة الكاملة بين الجميع كبشر وكمواطنين، أمام قانون واحد غير عنصري ولا استعماري.

أمام هذا الحصار غير المسبوق لشعبنا، وفي ظل الشرذمة والتفتيت والتشريد والإذلال والمخاطر المحدقة التي تتهدد جل وجودنا كشعب على أرضه، واستلهاماً لتجربتنا الكفاحية كشعب أبدع في مقاومته المدنية ولنضال شعب جنوب أفريقيا، فقد أصبحنا في حاجة ماسة وملحة إلى نقلة نوعية في رؤيتنا السياسية: من دوغما «الدولتين»، التي بقيت خيالاً معلقاً على خشبة نخرها السوس، إلى الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة التي تقوم على إحقاق حقوقنا غير القابلة للتصرف وإنهاء اضطهادنا بشكل أخلاقي منسجم وسياسي واعد. ولكن رفع شعار الدولة الديموقراطية الواحدة، الخالية من الصهيونية، لا يكفي، كذلك، من دون التوصل الى استراتيجية نضالية وبرنامج سياسي ملائم يأخذاننا من هنا إلى هناك.

ولما كانت السلطة الفلسطينية أصبحت، بغض النظر عن نواياها، أداةً تكرس وتديم الاحتلال والاضطهاد لشعبنا ووسيلةً للتغطية على جرائم إسرائيل وانتهاكاتها للقانون الدولي ولحمايتها من المساءلة، فقد آن الأوان لرحيل القيادة الفلسطينية الحالية التي فشلت في تحقيق أهداف النضال الوطني، بل وأعلنت استعدادها العملي للتفريط ببعض أهم منجزات شعبنا. كما حان وقت البدء في عملية تفكيك السلطة الفلسطينية، بتدرج وحكمة، وبالموازاة مع إعادة إحياء منظمة التحرير الفلسطينية بشراكة جميع القوى الوطنية والإسلامية المجمعة على حقوقنا الأساسية، لتعود قائدةً للنضال الوطني الفلسطيني في كل مكان. ويتطلب ذلك بالأساس إنعاش المؤسسات والاتحادات الشعبية الممثلة للقطاعات المختلفة في كل أماكن وجود الشعب الفلسطيني، بحيث تدب الحياة في برامجها النضالية وتنتخب بشكل ديموقراطي شفاف ممثليها من أسفل إلى أعلى. وبناء على تلك الانتخابات القاعدية يُنتخب مجلس وطني جديد على قاعدة التمثيل النسبي، ويقوم بدوره بانتخاب قيادة جديدة تمثل كل شعبنا في الشتات والمهجر، في الضفة (بما فيها القدس) وغزة، وفي مناطق .48 كما آن الأوان لوقـف سيــاسة الاستجــداء وتقزيم الذات والطاقات الكامنة لدينا، ولإعادة الاعتبار للمقاومة المــدنية بأشكــالها كافة، وأهمها العـمل على المقاطــعة الدولية لإســرائيل لإجبارها على التقهقر، كما أجبر من قبلها النظام العنصري في جنوب أفريقيا. وقد أصبحت شعارات المقاطعة وأشكال الكفاح الشعبي الأخرى أهم من أي وقت مضى، وتحديداً بسبب تعثر بعض أشكال المقاومة المسلحة وأحياناً عبثيتها في ظل الحصار وفقدان البوصلة والانعدام شبه الكامل لفرص التطوير التي قد تجعل تلك المقاومة مؤثرة ومنظمة وذكية وقادرة على فرض التراجع على الاحتلال كما جرى في جنوب لبنان بقيادة حزب الله.

لا يملك أنصار الدولة الواحدة حلاً سحرياً ولا فورياً، بالطبع؛ ولكنهم يقدمون رؤية بديلة، أكثر أخلاقية وعدلاً من «مشروع دولتين لشعبين»، الظالم بالتعريف، بل وأكثر مقدرة على توحيد صفوف الشعب الفلسطيني وتأطير أوسع حركة تضامن عالمية، كما تظهر المؤشرات الأولية من استطلاعات رأي وردود فعل إيجابية على ما نشر مؤخراً في الصحافة العالمية تنظيراً لهذا الحل واستشرافاً لكيفية تحقيقه. فمن يعترض على شعارات الحرية والعدالة والمساواة سوى العنصريين وغلاة القومجيين؟
ولكن كيف نتوقع تغيير الرأي العام العالمي في هذا الاتجاه حين تكون جميع الدول المؤثرة في العالم والأمم المتحدة متفقة بما يقارب الإجماع على حل الدولتين؟ ثم كيف نتوقع من إسرائيل، وهي التي ترفض أصلاً حل الدولتين المقبول عالمياً، أي بحسب حدود ,1967 أن تقبل بإنهاء وجودها، عملياً، كدولة يهودية؟ مرة أخرى، لا بد من تذكر دروس التاريخ. فمن في السبعينيات من القرن السابق كان يعتقد حقاً أن العالم سينقلب خلال عقد ونيف ويقاطع نظام الأبارتهايد حتى ينهار وتحل الديمقراطية؟ ربما يكون الأبارتهايد الإسرائيلي أكثر اندماجاً وتأثيراً من نظيره الجنوب أفريقي في الغرب بقيادة الولايات المتحدة، لأسباب تاريخية ومصالح استراتيجية وبسبب النفوذ الهائل للوبي الصهيوني. ولكن جنوب أفريقيا كانت تملك من الموارد الطبيعية والقوة الاقتصادية ومجالات الاستثمار الواسعة ما جعل الحكومات الغربية تتغاضى عن جرائم نظامها طوال عقود، غير أنّ عدة عوامل أدت إلى قلب الطاولة رغم هذا الوزن الاقتصادي. فلقد كان تحديد القيادة التاريخية للنضال موقفاً واضحاً ومبكراً من الأبارتهايد كنظام لا بد من إزالته العامل الأهم الذي أطلق العنان لباقي العوامل، وأبرزها النضال الشعبي الواسع الذي خاضته النقابات والاتحادات والكنائس وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني. كما أدت حملات التضامن العالمية، التي نمت بشكل تدريجي ولكن فعال ومتماسك ومنسجم أخلاقياً، إلى اتساع دائرة الوعي العالمي بطبيعة النظام وبضرورة التخلص منه ككل، لا من بعض شروره فحسب.

وإسرائيل، من هذا المنظار، ليست خارقة وغير قابلة للهزيمة كذلك. فكما حطمت المقاومة اللبنانية، وقبلها الجيشان المصري والسوري ولو لوهلة قصيرة، أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، أثبتت بوادر حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات ضد إسرائيل بعد أعوام قليلة من إطلاقها إمكانية فعلية لهزيمة اللوبي الصهيوني وتحقيق اختراقات حقيقية في عقر داره. فعلى سبيل المثال، حققت حملة المقاطعة التي أطلقها المجتمع المدني الفلسطيني (بأجزائه الثلاثة في مناطق 48 و67 والشتات) نجاحاً باهراً في إعادة فتح ملفات طمستها إسرائيل لعشرات السنين، وبتواطؤ دولي وعربي ولدرجة أقل فلسطيني. ومن هذه الملفات ملف اللاجئين وحقهم في العودة، وملف النكبة وحقيقة التطهير العرقي الذي شملته، وملف الطبيعة العنصرية لإســرائيل في التمييــز ضــد مواطنيها من «غيراليهــود» في جميــع المجالات الحيوية. كما أظـهرت حملات المقاطعة في بريطانيا وكندا وجنــوب أفريقــيا وإيرلندة وغيرها إمكانية حقيقية لانــتصار قــوة المنطق على منطق القوة: فبعض أكبر نقابات العمال والكنائس والنقابات الأكاديمــية في الغــرب بدأت تبحث جدياً في امكانية مقاطعة إسرائيل، تضامناً مع الفلسطينيـين وانتصاراً للقانون الدولي والمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان. وبالمقارنة، فقد احتاجت حملات المقاطعة ضد جنوب أفريقيا ما يزيد عن العقدين قبل أن تبدأ في الوصول الى النقابات والمؤسسات الكبرى في الغرب.

وعليه، فاننا نستطيع إقناع العالم بالحل الأكثر أخلاقية وعدلاً، أي حل الدولة الواحدة، إذا ما تبنيناه نحن أولاً، وبقوة ومنطق متماسك. إن بقاء إسرائيل دولة عنصرية يقوم في الأساس على احتلال عقولنا كعرب وفلسطينيين، وعلى تذويت انهزامنا وعجزنا عن تحدي تلك «الحقيقة» التي تبدو أبدية. إذاً، لا يمكننا أن نبدأ في التصدي لإفرازات الحركة الصهيوينية قبل تحرير عقولنا في المقام الأول. قد لا تطفئ رؤيةُ الدولة الديموقراطية الواحدة حرقة آلام غزة، وقد لا تعيد لذاك الطفل الجريح بسمته؛ ولكنها قد تعطيه أملاً حقيقياً في أن غده سيكون أفضل من غد أهله، وأن المسيرة السياسية العبثية الحالية التي تضحي بأرضه وتحكم عليه بمستقبل من العبودية المستدامة ستنتهي وتحل محلها مسيرة نضالية مقاومة، جامعة، ملهِمة، ونظيفة، قادرة على قلب الموازين وإنهاء كل اضطهاد.

--------------------
(*) محلل سياسي مستقل ـ القدس المحتلة



للمزيد عن الموضوع
  • لمزيد من البحث عن اضغط هنا.


    آخر الاضافات على الموقع
  • تعريف بالحملة (Dec 31, 2024)
  • التطوع للحملة (Dec 31, 2024)
  • وادي قانا: إجراءات الاحتلال واعتداءات المستوطنين الوحشية تهدد بهجرانه،والمستوطنون يحولونه إلى مكرهة صحية (Apr 15, 2008)
  • قوات الاحتلال تهدد بهدم 10 منشآت سكنية وزراعية في قرية دوما (Apr 14, 2008)
  • برنامج فعاليات إحياء الذكرى الثانية والثلاثين ليوم الأرض في الضفة الغربية (Mar 31, 2008)
  • في الذكرى ال 32 ليوم الأرض: بوحدة وإصرار نشارك معاً في المسيرات والمهرجانات المركزية في عرابة وقلنسوة ويافا (Mar 31, 2008)
  • لأول مرة في يوم الأرض: أهالي يافا يحيون الذكرى الثانية والثلاثين ليوم الأرض تأكيدا على فلسطينيتها وعروبتها (Mar 29, 2008)
  • هجمة استيطانية شرسة على الأراضي في الضفة الغربية والقدس، يرافقها تشريد ما يزيد عن 176 مواطنا فلسطينيا (Mar 26, 2008)
  • سلطات الاحتلال تجّرف آلاف الدونمات من أراضي الخليل لشق شارع تطلق عليه " عابر إسرائيل" (Mar 23, 2008)
  • بحجة عدم الترخيص: قوات الاحتلال تهدم ستة منازل وتشرد 22 مواطنا في الخليل والقدس (Mar 20, 2008)




  • اقسام الموقع
  • الصفحة الرئيسية
  • الحملة
  • مواد النشاطات
  • تحليلات / مقالات
  • صوت الناس
  • حقائق
  • آخر الأخبار
  • صور
  • نشاطات على الصعيد العالمي
  • خرائط
  • حملة أنقذوا الأغوار
  • حملة المقاطعة



  • ابحث في الموقع


    بحث متقدم


    آخر الاضافات من قسم الخرائط
  • خارطة توضح مقطع من الجدار في محافظتي قلقيلية وسلفيت (Feb 10, 2007)
  • خارطة الجدار الجديدة مع المستوطنات (Jun 15, 2005)
  • مزيد من الخرائط

  • Print this pageE-mail this page

    The Grassroots Palestinian Anti-Apartheid Wall CampaignSupport The Campaign|Donate|Contact Us




    الحملة الشعبية لمقاومة جدار الفصل العنصري